أقلعت
بي الطائرة من لوس أنجلوس متجهة إلى
الإمارات، وبالقرب مني يجلس كهل
أمريكي، أراه مشغولاً بالقراءة كعادة
الغربيين، وهي صفة حميدة، حبذا لو
تعلمناها منهم.
لقد
وقع اختياري _ ومن المطار _ على هذا
الكرسي لأسباب عديدة منها:
أنه
يقع في منتصف الطائرة، فالضجيج هنا أقل،
وهو في مقدمة الصفوف لأستغل المسافة
الواسعة أمامي، وعلى الممر لسهولة
الحركة، وبعيداً عن المطابخ ودورات
المياه، لأنها جزء لا تتوقف الحركة فيه،
والأضواء تبقى مشتعلة معظم الوقت.
إنني
أتساءل عن اليوم الذي ستتطور فيه هذه
الطائرات التجارية، لتختصر لنا
المسافات، وتوفر علينا الوقت، وربما
سمع الكثيرون عن تصميم تلك الطائرات،
التي تقطع المسافة بين نيويورك ولندن في
ربع ساعة تقريباً بدلاً من سبع ساعات،
ولكن متى ستظهر للوجود؟.
في
الحقيقة ليس هذا ما يشغلني الآن، إنما
الذي أفكر فيه ذلك الإرهاق الناتج عن
السفر بالطائرات، والمسمى" JET
LAG " .
إنه
إرهاق من نوع خاص وغريب , لا يحس به إلا
من يقطع مناطق التوقيت , أي يكون متجها
شرقا أو غربا .
إن
90% من المسافرين يشكون من هذا الكابوس
البغيض , لأنه يجعلك تشعر بالتعب والإرهاق نهارا , والأرق والتوتر ليلا ,
مسببا قلة النوم , وبالتالي تكون مضطربا
بعض الشيء , متشتت الذهن , سريع الانفعال
, كما أن الصداع يلازمك بعض الوقت , إما
بسبب الإجهاد , وإما بسبب الضغط داخل
الطائرة
أو الاثنين معا.
ولهذا
الداء الذي تتراوح مدته من يومين إلى
سبعة أيام , مسببات كثيرة منها:
اختلاف
الوقت , وضجيج محركات الطائرة , مع
الاهتزازات التي تحدثها , وتغيير الضغط
الجوي , وارتباك حركة السوائل في الجسم .
كذلك
الضغوط النفسية , كفراق الأحبة , والخوف
من وجود خلل ما بالطائرة يؤدي إلى
سقوطها , أو اختطافها من قبل إرهابيين.
وبما
أنني متجه من الغرب إلى الشرق , فإن
إرهاق السفر سيكون أشد وطئا, وبأعلى
درجاته , كما أني أحتاج لفترة أطول
لاسترجاع قواي السابقة , أما السفر
باتجاه الغرب فلا يكون بتلك الدرجة من
السوء , لذا ينصح الخبراء كل مسافر إلى
الشمال أو الجنوب , بدون تغيير في الوقت, فإنك
لن تعاني من هذا الداء , ربما تحس بنوع من
التعب الجسماني ولكن هذا ليس ما نتحدث
عنه .
بالمناسبة
أذكر أن هذا الإرهاق سبب إحراجا بالغا
للرئيس الأمريكي ريجان , وذلك في عام 1982 م
, عندما غط في النوم , وهو يتحدث مع
البابا في الفاتيكان !! على الرغم من
وجود مجموعة من الخبراء في هذا الداء ,
يخططون له كل صغيرة وكبيرة أثناء رحلاته .
إن
المسافر إذا كان هادئ الطباع , أو يزاول
نشاطا رياضيا معينا كالمشي أو الجري ,
فإن هذا الإرهاق لن يتمكن منه جيدا ,
كذلك الإنسان الاجتماعي , الذي يحب
مخالطة المسافرين , وتبادل أطراف الحديث
معهم , يقلل من تأثر هذا الداء عليه , ولا
أجد أفضل من الزوجة لهذا الأمر ( وإن كان
من الصعب إسكاتها بعد ذلك! ) .
ويذكر
الكاتب دان كوت في كتابه (THE
JET LAG) , وكذلك
الكاتبة كاثلين ميز في كتابها (BEAT
JET LAG ) , أنه
اتضح لدى العلماء , وبعد أبحاث عدة أن
ممارسة الجنس بعد رحلة طويلة يعتبر أحد
السدود المنيعة ضد هذا الإرهاق , فهو
يحررك من التوتر , ويبعد عنك الأرق,
فتسترخي عضلاتك , وتستسلم للنوم العميق .
وللتخفيف
من هذا الإرهاق الذهني و الجسدي , لابد
من أخذ بعض الإجراءات قبل وأثناء وبعد
السفر بالطائرة .
قبل
السفر : من الأفضل تغيير عاداتك
الغذائية قبل سفرك بيومين , فالطعام
الغني بالبروتين , يحفز حالة الاستيقاظ ,
فيما تساعد النشويات ( الكربوهيدرات )
على النوم , كما أنه من الأفضل تناول
وجبات خفيفة وسريعة الهضم , في اليوم
الذي يسبق السفر كالسلطة مثلا .
وليكن
وصولك إلى الجهة المطلوبة ليلا , أو في
بداية عطلة الأسبوع, حتى يكون أمامك
متسع من الوقت , لكي تنال كفايتك من
النوم , وبالتالي يكون جسمك قد أستوعب
إرهاق الرحلة .
أثناء
السفر : حاول أن تكثر من شرب الماء وعصير
الفواكه ( ما عدا عصير الطماطم لاحتوائه
على الملح ) , خلال الرحلة وبعدها , لأن
الطقس في الطائرة يكون جافا , وإن لم
تشعر به , فالأفضل شرب كأس من الماء كل
ساعة تقريبا, كما لا يجب الاعتماد على
العطش , فهو ليس مقياسا في هذه الحالة ,
وتناول المشروبات الغازية يزيد جسمك
جفافا , ويساعد على تكوين الغازات في
المعدة والأمعاء , أما المشروبات
الكحولية والتدخين , فقد كتب كثير من
العلماء عن تضاعف أضرارهما في الجو منه
على الأرض .
أما
إذا كنت مصابا بالزكام , فيسبب لك ذلك
آلاما في الأذن , لذا عليك استعمال
الأدوية التي تساعد على فتح الممرات
الأنفية , قبل الإقلاع بنصف ساعة , وكذلك
قبيل الهبوط .
ولتكن
ملابسك واسعة فضفاضة , والأفضل عدم
ارتداء الحذاء أثناء الطيران , لأن
الضغط يزيد على الأقدام , عندما يكون
المرء على ارتفاع 35 ألف قدم , ( لاحظ ضيق
الحذاء عند لبسه قبل هبوط الطائرة ) ,
فحاول أن تتمشى قليلا , فهذا يساعد على
تخفيف التوتر , وعدم تجمع الدم في
القدمين .
بعد
السفر : لا ترهق نفسك ببرنامج مزدحم ,
وأخلد للنوم في أقرب فرصة تتاح لك , لكن
ليس في النهار , لقد أثبت التجارب
العلمية , أن أشعة الشمس , أو الأضواء
القوية , تساعد على إعادة ضبط الساعات
البيولوجية في الجسم , فحاول أن تقضي
معظم نهارك تحت أشعتها , مع عدم لبس
النظارة الشمسية .
اجعل
وجبة الإفطار وجبتك الرئيسية , سواء كان
ذلك أثناء السفر أو بعده , وليكن العشاء
أحد الوجبات .
ويلاحظ
أن البدين يتحمل إرهاق السفر أكثر من
النحيف ( وان كان هذا ليس مدعاة لزيادة
الوزن !!), وكذلك الطفل الذي لم يتجاوز
الثلاثة أعوام .
لقد
أنتجت عدة أنواع من الأدوية تساعد على
التخلص من داء إرهاق السفر, الذي يعد
ضريبة يدفعها المسافر للتقدم العلمي
والحضاري في هذا العصر.
ولا
أريد أن أزعجك أيها القارئ العزيز , ولكن
للأمانة العلمية لابد من القول : إن تأثير
اختلاف الوقت على العمر, لم يأخذ حقه في
البحث حتى الآن, ولكن التجارب أثبتت أن
كثرة تغيير مناطق التوقيت, قد يقلل من
مدة الحياة.