إن
من يقرأ في
تاريخ البشرية, يجد أن المرأة قبل
ظـهور الإسلام,
كانت ترزح تحت نير الظـلم والاسـتبداد,
عدا عند بعض الشعوب
كالفراعنة.
وجاء
الإسلام
فرفع مكانتها, وأنقذها من الذل
والمهانة, وأقال
تلك العثرات التي وضعتها الأمم أمامها.
وقد
قيض الله سبحانه وتعالى
لدين الإسلام من العلماء الكبار والذين
سبقوا عصرهم من لا نملك
أمامهم إلا التقدير والاحتـرام والاعتراف
بفضلهم على هذه الأمة. ولسنوات خلت حاولت أن
أفهم حكما شرعيا فلم أفلح, وهو دية المرأة
في الفقه الإسلامي, والتي هي على النصف من
دية الرجل, وكنت أظن أن هذا الحكم
الشرعي من مفردات أحد المذاهب, ولكني فوجئت بأن
المذاهب كلها متفقة عليه, ولم يخالفهم فيه
إلا ابن علية وأبو بكر الأصم.
وقد
حاول كثير من العلماء تسويغ
ذلك بشتى الطرق ولكن
الحقيقة أن كلامهم كان غير مقنعا,
ومن هؤلاء
العلماء الأفاضل الشيخ رشيد رضا رحمه الله والذي
يقول: "والأصل
في ذلك
أن المنفعة التي تفوت أهل الرجل
بفقده أكبر
من المنفعة التي تفوت بفقد الأنثى ".
كيف
ذلك؟ إن
المرأة في الأسرة إن لم تفوق الرجل
في الأهمية
فلن تقل عنه, فهي التي تقوم على شؤون المنزل,
ورعاية الزوج, والاهتمام بالأطفال,
والسهر على راحتهم, وفي هذا
العصر تقوم كثير من الزوجات بالعمل كممرضة
أو مدرسة أو غير ذلك, فتساعد في تحمل أعباء
مسيرة الحياة مع زوجها.
ولو
تجاوزنا كل ذلك, واحتكمنا
إلى كتاب الله وسنة نبيه, فسنجد أن الله
سبحانه وتعالى قد ساوى بين الرجل والمرأة
في أمور عدة منها:
- المساواة في الإنسانية
والأصل والمنشأ: يقول المولى عز وجل (هو الذي خلقكم من نفس واحدة
وجعل منها زوجها ليسكن إليها) (1) ويقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم
الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها
زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) (2) ويقول: (والله جعل لكم من أنفسكم
أزواجاً) (3).
نلاحظ
أن المولى عز وجل قد كرر
استخدام كلمة النفس في الآيات السابقة,
وهي تشمل الذكر والأنثى, فهو يقرر
المساواة بين الاثنين, والنفس تأتي بمعنى
الروح, فلماذا إزهاق روح المرأة أقل من
الرجل, في حين أن الله قد ساوى بينهما ؟.
- المساواة من حيث
الأهمية في إصلاح المجتمع الإسلامي: يقول
تبارك وتعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر) (4)
- المساواة من حيث
المسؤولية أمام الله: يقول الله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) (5) ويقول تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين) (6).
- المساواة من حيث
المثوبة والجزاء يوم القيامة: يقول المولى
عز وجل (من عمل صالحا من ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة
طيبة ولنجزينهم أجرهم أحسن
ما كانوا يعملون) (7)
ويقول
تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من
ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون
الجنة ولا يظلمون نقيرا) (8) ويقول تعالى: (إن أكرمكم عند الله
أتقاكم) (9) ويقول تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا
أضيع عمل عامل منكم من ذكر
أو أنثى بعضكم من بعض) (10).
- وكما أنزل الله بعضا
من آياته تأييداً لبعض الصحابة, كذلك أنزل أيضا
بعض آياته تأييداً لبعض الصحابيات, فهذه
خولة بنت ثعلبة, جاءت تشتكي زوجها إلى
النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسألة
الظـهار, والرسول عليه الصلاة والسلام
يقول: (ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن,
وما أراك إلا قد حرمت عليه) فأخذت تجادل
النبي - صلى الله عليه وسلم
- وتحاول شرح الضرر الذي سيقع على
أسرتها من
جراء ذلك, ثم توجهت إلى الله تشتكي إليه
فأنزل الله تعالى: (قد سمع الله قول التي
تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله
والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ( (11)
- وأخيرا المساواة
في الحدود الشرعية, والأمر بمعاقبتها
كالرجل إن هي انحرفت, يقول الحق تبارك
وتعالى: (والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديهما) (12) ويقول تبارك وتعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة)(13
ثم يقرر
حكم قتل الخطأ فيقول تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ
فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة
إلى أهله) (14) وكلنا يعلم أن كلمة مؤمن تدل في
الحكم على الرجل
والمرأة, والرسول الكريم يقول: " وفي النفس
المؤمنة مائة من الإبل
" وقد ذكرنا سابقا أن
النفس تشمل الذكر والأنثى.
وقد
ذهب بعض
علمائنا المعاصرين, إلى المساواة
بين الجنسين
في الدية, مثل الشيخ أبي زهرة رحمه الله, والذي
يقول لابد من النظر إلى الآدمية في هذا
الموضوع, فالدية عقوبة للجاني , وتعويض
لأولياء المجني عليه.
وينقل
كتاب (
جرائم القتل بين الشريعة والقانون ) للأستاذ
عزت حسنين عن المفكر الإسلامي عبد الكريم
الخطيب قوله:
أ -
إن العبد
والأمة تكون دية كل منها على النصف
من الحر,
فهل نجعل من المرأة الحرة المسلمة مساوية للأمة .
ب - إن من المعروف أن
قاتل المرأة يقتل بها قـصاصا, فهل تتكافأ المرأة
والرجل في الدماء ولا تتكافأ في
الأموال؟ ولا يحتج أحد بقضية الميراث, فالحق
أن المرأة في الميراث, تكاد تفوق الرجل
لأنها تأخذ النصف خالصا, وتعود إليه إذا
احتاجته , ويلزم بالإنفاق عليها أ. هـ.
وإني على علم بأن
كثيراً
من علماء المسلمين لا يحبذون الخوض
في هذا الموضوع
فليس من السهل تغيير حكم شرعي اتفقت المذاهب
الأربعة عليه ولكن أيضا كل يأخذ من كلامه
ويرد إلا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال
تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات
والمؤمنين والمؤمنات
والقانتين والقانتات والصادقين
والصادقات والصابرين والصابرات
والخاشعين والخاشعات والمتصدقين
والمتصدقات والصائمين والصائمات
والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله
كثيراً والذاكرات أعد الله
لهم مغفرة وأجراً عظيما ( (15).
|
(9) سورة الحجرات : الآية
13
|
(1) سورة الأعراف : الآية
189
|
|
(10) سورة آل عمران :
الآية : 195
|
(2) سورة النساء : الآية 1
|
|
(11) سورة المجادلة :
الآية 1
|
(3) سورة النحل : الآية 72
|
|
(12) سورة المائدة : الآية
38
|
(4) سورة التوبة : الآية
71
|
|
(13) سورة النور : الآية 2
|
(5) سورة المدثر : الآية
38
|
|
(14) سورة النساء : الآية
92
|
(6) سورة الطور : الآية 21
|
|
(15) سورة الأحزاب : الآية
35
|
(7) سورة النحل : الآية 97
|
|
(8) سورة النساء : الآية
124
|
|